بائعة الورد.. حكاية لم تُحكَ


فتاة جالسة على حافة "حديقة غوركي" وسط مدينة روستوف على الدون، قربها سلّة، تحمل باقة صغيرة تقدمها إلى العابرين فوق رصيف شارع "بولشايا سادوفايا" (إنغلس سابقًا). ظهرت بائعة الورد البرونزية بثوبها الصيفي حافية القدمين تجلس على قاعدة من الغرانيت سنة 2007. على الرغم من أن مجلس المدينة كان قصده أن يزيد الحديقة المليئة بالورود الجميلة جمالًا بهذا الكائن البرونزي اللامع ووروده، إلا أن العابرين لم يروا فيها بائعة ورد، فالمراهقون منهم سمّوها "فتاة المثلجات (البوظة)"، أما المنتمون إلى الفئات العمرية الأكبر فاختاروا لها اسمًا أكثر رومنسية "الفتاة البرونزية ذات الروح الحيّة".. فما حكاية هذه الفتاة؟ 

قبل إخباركم حكايتها، وددت لو احتلّت صورة بائعة الورد البرونزية غلاف كتابي "أبعد من الشرق – أوراق أوراسية في التفاعل الثقافي" (القاهرة: المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم، 2020، 220 ص.)، أو تصدرت فصل "روائع الأدب الأوراسي المغنّى" فيه على الأقل، إلا أن ذلك لم يكن مقدّرًا، فقد طلب المخرج استبدالها، وأن أرسل صورة أخرى "تليق". لم أفهم آنذاك فيم خدشت فتاتي "اللياقة"، لكن كما هي ردة فعلي عادة أصمت ولا أجادل.. ولم أراجع رئيس المؤسسة الصديق الدكتور حسين الشافعي، في الأمر. في الواقع، كنت سعيدًا برغبته بصدور كتاب لي عن مؤسسته في "عام الثقافة – 2020". فكان أن صدر الكتاب بدون فتاتي البرونزية واحتلت غلافه "سيدة بغدادية" (1900) للرسّام والمستشرق الإنكليزي وليم كلارك ونتنر (1857-1930).



خصّ المرحوم حسين الشافعي الكتاب بكلمة له، منها: "إن بحوثه تمس برهافة خريطة التفاعل الثقافي بين أوراسيا والعالم العربي وتعكس معالم الأثر الثقافي المقيم لأوراسيا عموما ولروسيا خصوصا في عالمنا العربي. ولعل في سيرة أحد أبرز الخريجين اللبنانيين من جامعات روسيا القيصرية الكاتب الكبير ميخائيل نعيمه، التي تطرقت إليها صفحات الكتاب، ما يدل على هذا الأثر الذي امتدت خيوطه إلى الدول العربية كافة، وخاصة في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت، حيث بلغت العلاقات الروسية العربية، والمصرية بالذات في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، أوجها". هذا الكتاب، كان الثاني في سلسلة "أوراق أوراسية في التفاعل الثقافي"، بعد "من بيروت وعنها" (بيروت: دار المصور العربي، 2018)، وقد قسمته إلى قسمين: "البلاد والعباد في عهدين" و"في الأدب والحب والحياة"، يتضمنان تسعة عشر بحثًا، بالإضافة إلى تعريف القارئ العربي بروائع الشعر الأوراسي المغنى، عبر نماذج مترجمة شعرا، لشعراء روس، وأوكران، وتشيك، وأرمن، وجورجيين، وقرغيز... بعد سنة، رحل الصديق الكبير حسين الشافعي تاركًا في القلب حرقة على فراقه، وكان قد خدم الثقافة الأوراسية في مصر والدول العربية بصدق ووفاء وبكل ما أوتي من قوة. رحمه الله وطيّب ثراه. 



من هي بائعة الورد؟ 

أراد النحات الروستوفي دميتري فاسيليفيتش ليندين (مواليد 1964) أن يكون تمثاله تجسيدًا لبائعة الورود الشعبية في المدينة الروسية الجنوبية، وإن كان اسم "تسفيتوتشنيتسا" (فتاة الورد بالروسية) يحمل أهل روستوف وزائريها بعيدًا في الزمان والمكان.. إلى شوارع مدينة نيويورك مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، مع فيلم المبدع تشارلي تشابلين (1889-1977) الصامت "أضواء المدينة" (1931). الفيلم الكوميدي الرومنسي، يحكي قصة تشارلي المتشرد الذي يتجول في المدينة ويلتقي بفتاة مكفوفة تبيع الورود (مثلت الدور الحسناء فيرجينيا تشيريل 1908-1996) تسمع الفتاة صوت باب سيارة أمامها، تمسك وردة تمدّ يدها بها، لكنها تسقطها، فيلتقطها تشارلي، لكن الفتاة، تبحث راكعة عنها. يدرك الشاب أنها مكفوفة ويساعدها على الوقوف. يعطيها آخر ما بجيبه من نقود مقابل الوردة... تدور مغامرات كثيرة، تكون نتيجتها أن يحتجز الشاب، لكنه يتمكن من الهرب ويعطي فتاة الورد ما لديه من أموال قبل أن يدخل السجن. ثم يخرج من السجن أشد بؤسًا من ذي قبل، بينما الفتاة التي استردت بصرها وفتحت متجرًا للورود كانت تحلم بفاعل الخير الذي منحها المال، وتتخيله ثريًا ووسيمًا. يجد تشارلي نفسه صدفة أمام متجرها وينظر إليها بسعادة. تقترب منه مشفقة عليه، لتمنحه قطعة نقود ووردة. وبينما يحاول الفرار خجلاً وخائفًا من التحدث تلمس يده فتتعرف إليه، وتعرف أنه ذاك المنتظر. 

يعتبر تمثال بائعة الورد البرونزي أكثر منحوتات دميتري ليندين إثارة للنقاش، فمنحوتاته الرائعة المنتشرة في روستوف وتاغانروغ وشاختي وغليندجيك ونوفوروسيسك يسهل لصق أسمائها بها، إلا فتاة الورد هذه التي باتت "الفتاة البرونزية ذات الروح الحيّة"، تجلس على حافة الحديقة، تمد يدها بوردة إلى العابرين.

عماد الدين رائف