أغبط الرفيق المهندس أحمد الزاغة، وربما أبناء جيلي من متخرجي الجامعات والمعاهد السوفياتية يشاركونني شعوري، لكونه قضى سنوات دراسته قبل تشظّي الاتحاد السوفياتي إلى خمس عشرة دولة. يحكي الزاغة في كتابه "رحلة الدراسة في الاتحاد السوفياتي" (دار الشروق، 2023، 160 ص.) عن البلاد نفسها، التي عشنا فيها إبان التسعينيات القاتمة، وربما عن الناس أنفسهم...، إلا أن المرحلة التي درس فيها كانت "ذهبية" بالفعل كما وصفها، إذا ما قورنت بما قاسيناه نحن جيل الانهيار.
يتجانس موضوع الكتاب مع عنوانه في معظم محتواه. يتحدث فيه المؤلف بضمير المتكلم، بلغة سهلة بسيطة تختلط بالعامية أحيانًا. ويتضمن صورًا خاصة وأخرى من مصادر إلكترونية غير محددة. في الزمان، يعتمد المؤلف خطًا كرونولوجيًا واحدًا، يبدأ من منزله، إلى عمّان، فموسكو (1977)، ثم خاركوف (1977-1982)، وانقطاعه عن الدراسة للمشاركة في التعبئة العامة في سوريا ولبنان (1982-1983)، ثم عودته إلى خاركوف، ودفاعه عن الدبلوم، وعودته إلى الوطن (1984)، ثم زيارته الأخيرة لخاركوف (2017). أما دوائر المكان السوفياتية فتتسع لتطال أماكن أخرى غير موسكو وخاركوف، وذلك بسبب حرمان الطالب الفلسطيني من العودة إلى الأردن وفلسطين طيلة مدة دراسته لدوافع أمنية، تؤدي عادة إلى حرمانه من متابعة الدراسة. هذه الدوائر هامشية، تكون في أوقات الإجازات أو الرحلات (روستوف على الدون، يالطا، سوتشي، لينينغراد، فولغاغراد، مينسك). تكمن أهمية هذه الدوائر في إبراز عظمة البلاد جماليًا وثقافيًا في تلك الحقبة.
يحدث القبطان قراءه بصدق وصفاء، بصراحة ولطف، يتنقل بهم في أرجاء جميلة الجميلات خاركوف، يغازلها ويراقصها، بليلها ونهارها، بربيعها وخريفها، بسوقها وضفة نهرها... يقدّم سرده إليها قصيدة عشق مشبعة بعبق السنين. تلك المدينة العظيمة، التي تعاقب على مقاعد جامعاتها ومعاهدها عشرات آلاف الطلاب الأجانب من جميع القارات. يجسد صورًا مختلفة من الحياة الطالبية اليومية فيها، يرينا الأعراف الاجتماعية، ويدخل بنا إلى المنزل الخاركوفي، ويشارك أهل المدينة الحبيبة أفراحهم، واصفًا الطقوس والعادات في المأكل والملبس والمشرب، في الرفاقية والصداقة، في الاحتفال والرقص والغناء... لذلك لدي عتب على الباش مهندس، وأنا أعلم أن هذه النصوص كتبت في أوقات مختلفة وأمزجة مختلفة، إلا أن إدخال ما ليس من الذاكرة (من صفحات الانترنت) قد يخدش وثيقة مبنية أساسًا على ما رأى الكاتب وسمع... فكل ما اردته أن أقرأ الانطباعات الأولى من صاحبها وأنا ضنين بذلك، إلا أن للكاتب الحق في مخالفتي رأيي، فالكتاب ليس موجهًا حصرًا إلى الخريجين بل إلى كل قارئ عربي.
في المجمل، ما قدّمه الزاغة إلى القارئ العربي يرقى إلى مستوى الوثيقة التاريخية من المصدر الأول، فما جاء فيه بمعظمه، وإن بدا للوهلة الأولى مجرد سرد عفوي لذكريات شخصية، إلا أنه بالغ الأهمية حين نعيد قراءة تاريخ الخريجين العرب عامة والفلسطينيين والأردنيين خاصة؛ وهو في الواقع، بعد ضمّه إلى مصادر أخرى يجسد "التاريخ الحقيقي" لنحو سبع سنوات (1977-1984) من الحياة الطالبية في مدينة خاركوف السوفياتية (خاركيف الأوكرانية اليوم).
شكرًا للقبطان أبي خالد على ما خط يراعه، وعلى هذه الرحلة المشوقة وما لها من أثر طيّب في النفوس. وحبذا لو يحذو كل أبناء جيله من الخريجين حذوه، لإنتاج لوحة ضخمة لتاريخ الخريجين العرب من مؤسسات التعليم العالي السوفياتية.
